حدثنا العباس بن عزيز القطان المروزي، قال: حدثنا حامد بن آدم، قال: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، وبشار بن قيراط، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، والفضل بن موسى رحمة الله عليهم، وغيرهم، كل يحدث بما لا يحدث به صاحبه في التقديم والتأخير، والمعنى واحد، قالوا: قدم الكوفة سبعون رجلاً من رؤساء القدرية وعظمائها، فجلسوا في مسجد الكوفة، وتكلموا بكلام القدر، فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: لقد قدموا الكوفة ببزّ كاسد فانطلق رجل من أصحابه، فبلغهم ذلك، فاجتمعوا إلى بابه، فبعثوا إليه رسولاً إنا لم ندخل هذا المصر إلا بسببك، وإنا نريد أن نكلمك، وقد اجتمعنا ولا نشك أنا نخصمك، قال: فبعث إليهم أبو حنيفة أن هذه الأيام أيام العشر، وأيام حقها ما تعلمون، فإذا مضت عليكم هذه الأيام، فارجعوا حتى أكلمكم، وإن كنت أكره الجدال، قالوا: ندخل فنسلم، فأذن لهم، فسلموا ثم جلسوا، فقالوا: يا أبا حنيفة! إنه بلغنا أنك لما سمعت بنا وبموافاتنا هذا المصر وبكلامنا، قلت: أنهم قدموا الكوفة ببزّ كاسد، قال: نعم قد قلت ذاك، قالوا: فإنا لا نخرج حتى نخاصمك، قال: ففيم تخاصمونني؟ قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظراً ازداد تحيراً، قالوا: ففي القضاء والعدل، قال: تكلموا على اسم الله، قالوا: يا أبا حنيفة! هل يستطيع أحد من المخلوقين أن ينجز من ملك الله ما لم يقضه، قال: لا، لأن القضاء على وجهين: أمر منه أمر وحي والآخر قدرة، فأما القدرة فإنه يقضي عليهم، وقدر لهم الكفر، ولم يأمر به بل نهى عنه، والأمر أمران: أمر الكينونة وأمر إذا أمر شيئاً كان وهو غير أمر وحي، قالوا: فأخبرنا عن أمر الله عز وجل أموافق لإرادته، أو مخالف لها، قال: أمره من إرادته، وليس إرادته من أمره، والأعمال بالإرادة سوى الأمر، وتصديق ذلك قول إبراهيم لابنه عليهما السلام ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾، ولم يقل صبراً من غير إن شاء الله، وكل ذلك من أمر الله تعالى، ولم يكن من إرادة الله ذبحه، قالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله ما قالوا، قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، فقضى الله على نفسه أن يشتم؟!!! قال: إن الله لا يقضي على نفسه إنما يقضي على عباده، ولو كان يقضي على نفسه لجرت عليه القدرة، قالوا: فأخبرنا عن الذي أراد الله أن يكفر فكفر، أحسن الله إليه أم أساء؟ قال: لا يقال: أساء إلى الكفار لما ألزمهم من الكفر لأنه يعذبهم عليه، ولا يقال: أحسن إلى من عذبه عليه، إنما ذلك عدل منه، إنما تقع الإساءة والملامة على أمر ونهي، وذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]، فدعاهم إلى النار الكفر، قالوا: فأخبرنا عن الكفر مخلوق أو غير مخلوق؟ قال: مخلوق، قالوا: فكيف يكون مخلوقاً وهو صنيع العباد؟ قال: هو صنيع العباد، والله خالق صنعهم، لأن الله خالق كل شيء، فصنيع العباد شيء فيكون مخلوقاً، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وقال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، والكفر والإيمان وأعمال العباد وأرزاقهم وآثارهم مما أحصى الخالق قبل أن يخلقهم، قالوا: يا أبا حنيفة! ليس لك بد بذا، قلت: إن العباد لا يستطيعون أن يجاوزوا خلاف ما علم أن تقول إنه لم يكن لله بد أن يخلق العباد حتى يكون ما علم، قال: إنه لو لم يكن في علم الله أن يخلقهم لعلم ذلك أيضاً، إنما يقال: ليس بد لمن يحتاج إلى غيره، قالوا: يا أبا حنيفة! أمؤمن أنت؟ قال: مؤمن، قالوا: لتستكمل الإيمان، قال: مستكمل الإيمان، قالوا: فأنت عند الله مؤمن، قال: تسألونني عن علمي وعزيمة علمي أم تسألونني عن علم الله وعزيمة علم الله؟ قالوا: بل نسألك عن علمك ولا نسألك عن علم الله، قال: فإني بعلمي الذي أعلم عند الله مؤمن، ولا أعزم على الله في علمه، قالوا: فما تقول فيمن جحد بحرف من كتاب الله عز وجل؟ قال: كافر قالوا: فإن الله عز وجل يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال: هذا في باب الوعيد، قالوا: فإن كان في باب الوعيد فإني لا أؤمن ولا أكفر، قال: بهذا خصمتم أنفسكم، ألا ترون أني إن لم أؤمن فأنا مجبول في إرادة الله على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبول في إرادة الله عز وجل على الإيمان، قالوا: يا أبا حنيفة! حتى متى تضلّ الناس؟ قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم في حال يضلوا فيها فلا يهديهم، ولكن هل لكم إلى شيء موصول من طاعة الخالق تستطيعون أو لا تستطيعون على الانفصام منه في حال الإيصال لكم؟ فإن قلتم: نعم فقد لزمكم ما هو موصول لكم، قالوا: والله ما ندري ما نقول، قال: ألستم قد زعمتم أن إليكم أن تعملوا وإليكم أن لا تعملوا وإليكم أن تجلسوا وإليكم أن لا تجلسوا، وإن إليكم أن تقولوا وإليكم أن لا تقولوا، فكيف تزعمون الآن أنكم لا تعلمون؟ فقاموا من عنده مخصومين قالوا: نخاصم كل أحد، ولا نخاصمك يا أبا حنيفة.
Source · Volume 1 · Printed page 338–341 · Report 1078
2020 edition · Volume 1
- Printed page 338 · PDF page 339
- Printed page 339 · PDF page 340
- Printed page 340 · PDF page 341
- Printed page 341 · PDF page 342
Narrators: al-ʿAbbās ibn ʿAzīz al-Qaṭṭān al-Marwazī · Ḥāmid ibn Ādam · Muḥammad ibn ʿUbayd al-Ṭanāfisī · Bashshār ibn Qīrāṭ · Ismāʿīl ibn Ḥammād ibn Abī Ḥanīfa · al-Faḍl ibn Mūsā