حدثنا محمد بن نصر بن سليمان بن يزيد الهروي ومحمد بن علي بن الحسن الترمذي، قالا: حدثنا أحمد بن مصعب، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم، قال: حدثنا العباس بن سالم الطائي اليماني، قال: حضرت أبا حنيفة النعمان بن ثابت حين كتب إلى عثمان البتّي جواب كتابه: أما بعد، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبيه وصفيه وخيرته من خلقه محمد صلى الله عليه أفضل صلاة وأزكاها، وأوصيك ونفسي بتقوى الله، وكفى به حسيبًا وجازيًا، جاءني كتابك، وفهمت الذي ذكرت فيه وظننا أنه إنما دعاك الكتاب إليّ حرصًا منك على الخير ونصيحةً كتبت ـ يرحمك الله ـ تذكر أني من المرجئة، وأني أقول مؤمن تقي ومؤمن عاص ومؤمن ضال، وإنك أنكرت هذا القول مني، ولعمري ما شيء تباعد من الله عِزّ فيه لأهله ولا فيما أحدث الناس وابتدعوا خير، وما الأمر إلا الأمر الأول، وهو مما نزل به القرآن، وجاء به محمد ﷺ ودعا إليه، وكان عليه أصحابه من الألفة والنصيحة والتراحم والجماعة حتى قتل عثمان وتفرق الناس، فنحن على تلك الألفة والنصيحة للأمة والجماعة فنحن معهم عند اجتماعهم واتفاق كلمتهم، ووقفنا حيث تفرقوا، وترحمنا على أهل الإيمان جميعًا وتوليناهم وورثناهم وناكحناهم ورجونا لهم بالإيمان والأعمال الحسنة وخفنا عليهم بذنوبهم، والأمر على ما كان عليه محمد وأصحابه، فأما ما سوى ذلك فبدعة ومحدث، فافهم ـ يرحمك الله ـ كتابي، واعلم أني لو لم أرجو أن ينفعك الله وينفع الناس بك لموضعك في الإسلام ومكانك منه لم أتكلف الكتاب إليك، فاحذر رأيك على نفسك والخوف أن يدخل الشيطان عليك أو يستميلك الرجال باجتهاد العمل وتبيين الورع إلى الأهواء المضلة، وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، وعصمنا وإياك مما يسخط، إن الناس ـ رحمك الله ـ كانوا أهل شرك قبل أن يبعث الله محمدًا ﷺ فبعثه الله إلى الناس كافة يدعوهم إلى الإيمان به، فدعاهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإلى الإقرار به والتصديق بما جاء من عند الله، فكان الداخل في ذلك مؤمنًا حرامًا دمه وماله، له حق المسلمين وحرمتهم، وكان التارك لذلك حين دعي إليه كافرًا بريئًا من الإيمان، حلالاً دمه وماله لا يقبل منه إلا الدخول في الإيمان أو القتل إلا ما ذكر من أهل الكتاب بإعطائهم الجزية، ثم نزلت الفرائض على رسول الله بعد التصديق فكان الأخذ بها عملاً مع الإيمان، وذلك قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [التغابن: ٩] في أشباه ذلك من القرآن، فلم يكن المضيع للعمل مضيعًا للتصديق، وقد أصاب التصديق باسم الإيمان، فلو أن الناس تركوا التصديق بالإيمان كفروا، وانتقلوا عن اسم الإيمان وحرمته، ورجعوا إلى حالهم التي كانوا عليها من الشرك، ومما يبيّن لك الاختلاف بين الإيمان والعمل أن الناس لا يختلفون في الإيمان والتصديق، ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل، فتختلف فرائضهم وأعمالهم، فدين أهل السماء ودين أهل الأرض ودين الرسل ودين الأولين والآخرين في الإيمان والتصديق واحد، وهم مختلفون في الشرائع والأعمال، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وأقام الدين في الأولين والآخرين والتصديق والإقرار. واعلم أن الهدى في التصديق بالله ورسوله ليس كالهدى فيما افترض الله من الأعمال فمن أين يشتبه ذلك أو يشكل عليك وأنت تسميه مؤمنًا وهو جاهل بما لم يعلم من الفرائض، وهل بدّ من أن تسميه مؤمنًا بتصديقه كما سمى الله في كتابه، وأن تسميه جاهلاً بما لم يعلم، وأنه إنما يتعلم بما جهل فهل تكون الضلالة والجهالة عن معرفة الله ومعرفة رسوله، وترك الإقرار، والجهل به كالضلالة عن معرفة ما يعرفه الناس مما افترض الله عليهم وهم مؤمنون، وقد قال الله عز وجل في بعض تعليم ما افترض: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء، آية: ١٧٦]، وقال: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾ [البقرة، آية ٢٨٢]، وقال موسى عليه السلام: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء، آية ٢٠]، فهل يعني إلا وأنا من الجاهلين ليس يعني وأنا من المشركين بالضلالة عن معرفة الله والإقرار به، والحجج في كتاب الله تعالى بتصديق ذلك أكثر من أن يشكل على مثلك، والسنة من رسول الله ﷺ واجتماع أصحابه قبل الفرقة أبين وأوضح من أن يذهب على مثلك، أَوَليس تقول: مؤمن ظالم ومؤمن مذنب، ومؤمن عاصٍ ومؤمن جابر ومؤمن مخطئ، فهل يكون فيما ظلم وعصى أو أخطأ أو أذنب أو جار مهتد بهداية الإيمان أم ضال عن الذي أخطأ فيه أو جهل حتى يبلغ به الشرك، ويسقط عنه اسم الإيمان، وقول بني يعقوب لأبيهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، أتظن أنهم عنوا: أنك لفي كفرك القديم، فتفهّم ـ يرحمك الله ـ كتابي هذا وائتهم بالقرآن، واتّهم آراء الرجل ممن لم يفقه في القرآن ولم يعلم سنن رسول الله ﷺ ولا آثار أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم، إذ الأمر جامعٌ وهم على الألفة والتراحم. واعلم ـ يرحمك الله ـ أنه لو كان يكفر أحد من هذه الأمة بذنب صغير وكبير لكان ينبغي لأهل التصديق أن لا يستحقوا التصديق إلا بتمام جميع الأعمال الزاكية، ولا يكون مستحقًا للإيمان والتصديق حتى لا يذنب ذنبًا، ولا يعلم أنه سلم من الذنوب الرسل فمن دونهم، فإن زعمت أنهم مؤمنون فأجريت عليهم أهل التوحيد، ولهم حرمة المسلمين صدقت وكان تركًا لما كتبت به، وإن زعمت أنهم كفار بذنوبهم ابتدعت وخالفت النبي ﷺ والقرآن، وقلت بقول أهل البدع، وإن زعمت أنهم ليسوا بمؤمنين ولا كفار فأعظم بهذا القول بدعة، وخلاف النبي عليه السلام وأصحابه، لأنه ليس بين الإيمان والكفر منزلة، فإذا خرج من الكفر دخل في الإيمان، ومن خرج من الإيمان دخل في الكفر، والقرآن ينطق بذلك مع سنة رسول الله عليه السلام، وإجماع أصحابه رضوان الله عليهم، فإن ذكرت المنافقين فهم قوم أظهروا الإيمان وأبطنوا الشرك فهم كفار، ولو كان الإيمان العمل لكان المنافقون مؤمنين، لأنهم كانوا يعملون ويظهرون الإيمان والإقرار، ولم يكونوا يصدقون بذلك في قلوبهم، فسماهم الله عز وجل كفارًا، وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] لأنهم لم يصدقوا بقلوبهم، ومن أين تسمى عمر وعثمان أميري المؤمنين، أترى أنهما عنيا أميري المطيعين في الفرائض كلها والأعمال، وقد اقتتل أصحاب رسول الله ﷺ فلم تكن الفئتان بمهتديتين جميعًا، فما اسم الباغية عندك منهما، فوالله ما أعلم من ذنوب أهل القبلة شيئًا أعظم من القتل، ولاسيما أصحاب رسول الله ﷺ فما اسم الفئتين وليستا بمهتديتين جميعًا، فإن زعمت أنهما ضالتان جميعًا ابتدعت، [وإن زعمت] أنهما مهتديتان جميعًا ابتدعت، وإن قلت: الله أعلم بهما ووقفت عند الفرقة وجعلت إلى الله علم ما غاب؛ أصبت. فتفهم ـ رحمك الله ـ كتابي هذا، واعلم أني أقول أهل القبلة مؤمنون بإقرارهم بألسنتهم وتصديقهم بقلوبهم، ولست أخرج أحدًا منهم من الإيمان بتضييع شيء من الفرائض من غير جحد ولا إباء، فمن آمن وأطاع الله عز وجل في الفرائض كلها كان من أهل الجنة، ومن شك في الإيمان وعمل بالفرائض كان من أهل النار، ومن ضيّع الإيمان والعمل كان من أهل النار، ومن أصاب الإيمان الإقرار والتصديق بالقلب والقول وضيّع شيئًا من الفرائض بلا جحد ولا إباء كان مؤمنًا مذنبًا، وكانت لله فيه المشيئة، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فإن يعف فهو أهل العفو، وإن يعذب فعلى ذنبه وكسبه، وأما القول فيمن مضى من أصحاب رسول الله وفيما كان بينهم ـ والله أعلم ـ غير أني أتوليهم جميعًا بولاية الإيمان وأترحم عليهم، ولا أتكلف علم ما حجبه الله عني ولم يأمرني بالبحث منه والنظر فيه، ورضي لي بما أنزل في كتابه، فلا يجوز لنا أن نتعدى القرآن، ولا أن نقول بخلافه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة، ولا نشك في إيمانهم، وبهذا نزل القرآن، وجرت السنة والفقه، زعم أخوك عطاء بن أبي رباح، ونحن نصف له هذا، فارقهم وعليه ماتوا، وزعم سالم الأفطس عن سعيد بن جبير أن هذا أمر أصحاب رسول الله ﷺ، وزعم نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا كان أمرهم ودينهم. وزعم عبد الكريم بن أبي المخارق عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحماد عن إبراهيم رحمة الله عليهم أن هذا كان أمرهم ورأيهم مع ما بلغك عن علي بن أبي طالب حتى كتب كتاب القضية فسمى الفئتين جميعًا مؤمنين، وبلغني عن عمر بن عبد العزيز أنه لقيه من لقيه من إخوانه حتى استحلف فقال لهم: صفوا لي هذا الأمر فوصفوه له، فأنشأ يعلمه ولده، وكتب إلى أهل الأمصار، وأمر بتعليمه فعلّمه رحمك الله جلساءك وادعهم إليه وحضهم فإنك بمكان من المسلمين، وأنه أفضل ما تعلموا وعلمتهم، فإنك في ذلك أكثر أجرًا من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وخص بهذه النصيحة من هو أهلها، وأما قولك في اسم المرجئة فما ذنب قوم دعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه ورجوا لأهل الإيمان وخافوا عليهم ولم يقسموا بخلاف الإيمان فسماهم أهل الشنآن والبدع بهذا الاسم، ونحن برآء من كل اسم خلاف الإسلام والإيمان، وما ذنبك ـ يرحمك الله ـ إن لبست ثوبًا يواري عورتك وتؤدي فيه الفرائض وتتوقي به الحر والبرد فسميت به ونسبت إليه وسماك سفهاء من أهل الخلاف والعصيان لله فيما نهاهم من الغيبة والألقاب، وإن أشكل عليك ـ يرحمك الله ـ شيء مما كتبت به إليك أو أدخل عليك أهل البدع والتاركون لكتاب الله وسنة نبيه فأعلمني أجيبك عن ذلك وأشرحه لك بتفسير أكثر مما كتبت به إليك، فإني كرهت التطويل عليك، ورجوت أن تجتزئ بدون ما كتبت إليك لإحسان الله إليك إذ صرت لدينه متفقدًا وعليه محبًا ومبغضًا، والسلام. فقال عمر بن إبراهيم: وأخبرني عثمان بن مقسم الكندي، قال: شهدت عثمان البتّي حيث أتاه كتاب النعمان فقرأه علينا فقال: إن كان هذا الإرجاء فأنا مرجئ منذ ستين سنة ولا أعلم.
Source · Volume 2 · Printed page 58–64 · Report 2211
2020 edition · Volume 2
- Printed page 58 · PDF page 59
- Printed page 59 · PDF page 60
- Printed page 60 · PDF page 61
- Printed page 61 · PDF page 62
- Printed page 62 · PDF page 63
- Printed page 63 · PDF page 64
- Printed page 64 · PDF page 65
Narrators: Muḥammad ibn Naṣr ibn Sulaymān al-Harawī · Muḥammad ibn ʿAlī ibn al-Ḥasan al-Tirmidhī · Aḥmad ibn Muṣʿab · ʿUmar ibn Ibrāhīm · al-ʿAbbās ibn Sālim al-Ṭāʾī al-Yamānī · ʿUthmān ibn Miqsam al-Kindī